الشرق الأوسط…مهد الثقافة الغربية وبداية وجودها الحضاري

ارتباط حضارة الغرب بالشرق – منطقة الهلال الخصيب مركز العالم القديم

الشرق الأوسط لا يمثِّل فقط مسرحًا لأعمال عنف فظيعة، بل يعتبر أيضًا مهد الثقافة الغربية. لقد حان الوقت من أجل التذكير بالأهمية التاريخية لحضارة بلاد الهلال الخصيب القديمة وفهم الأحداث الجارية في الشرق الأوسط باعتبارها خطرًا يهدِّد الهوية الغربية الخاصة، مثلما ترى الكاتبة ميلاني كريستينا مور في مساهمتها النقاشية التالية على موقع قنطرة.

عميقة هي بئر الماضي، فهل يجب علينا ألاَّ نسميها غامضة؟”، هكذا يُقدِّم الكاتب الألماني توماس مان روايته التاريخية “يوسف وإخوته”. هذا المجلد الثري المطبوع على ورق، يتحدَّى قرَّاءه ويغوص ببداهة رزينة في عمق طبقات الشرق القديم. ليس نادرًا أن يحتاج القارئ إلى وسيلة مساعدة، وأن يُسجِّل ملاحظات على الهامش مع علامات استفهام وتعجُّب. ولهذا السبب بالذات فإنَّ هذا الكتاب مثالٌ رائعٌ للوظيفة المخصصة للأدب عندما يتعلق الأمر بالذاكرة الجماعية والثقافية الإنسانية.

الأوقات العصيبة تتلهَّف إلى أعمدة أدبية تبني خطوط الاتِّصال وتؤدِّي عمل الذاكرة؛ وتثير الانتباه إلى أنَّ هناك حيث ينتشر الإرهاب والحروب في الوقت الراهن مثل انتشار النار في الهشيم، تكمن بدايات وجودنا الحضاري. التي تشير إلى أنَّ الذاكرة الجماعية يجب ألاَّ يتم تحديدها من خلال الحدود الجغرافية الموضوعة من قبل الإنسان، والتي لم تكن معروفة في بلاد الرافدين القديمة – من بداياتها مرورًا بعصر ازدهارها وحتى إلى تدهورها.

إنَّ ما تستخدمها الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى بمفهوم خاطئ من أجل حماية ونشر نفوذها ولا يزال يستخدمها دائمًا بعض ممثِّليها المفترضين -أي الوسائل الحربية- لم تكن تعتبر في الشرق القديم بأي شكل من الأشكال جزءًا من خطاب حماسي. بل على العكس تمامًا، حيث كان هناك في الماضي في معبد الآلهة متسعٌ لأي آلهة إضافية، ولم يكن المرء يعرف الحروب الدينية.

الكتابة اختراع شرقي وأساس الآداب والعلوم

ولآلاف السنين كان الشرق سابقًا أوروبا وكان حتى العصور الوسطى المتأخِّرة المركز الثقافي في العالم. وفي حين أنَّ المؤرِّخ الإغريقي القديم هيرودوت كان يتعجَّب في القرن الخامس قبل الميلاد من تاريخ مصر القديم، كان منظر روما لا يزال عاديًا يمكن استيعابه.

ومع نهاية العصر الجليدي الأوروبي بدأت في بلاد الرافدين (ما بين النهرين)، أي فيما يسمى بالهلال الخصيب، الزراعة وتربية المواشي، وقد أعقب ذلك هناك تدجين المحاصيل والحيوانات، وكذلك تكوَّنت أولى المستوطنات، ثم دول المدن وفي آخر المطاف القوى الإقليمية. وعندما بدأ في أوروبا الفلاحون الأوائل بزراعة أراضيهم، كانت الحصون القديمة المبنية في حقبة ما قبل التاريخ في الشرق الأوسط تغفو تحت طبقات من الأرض عمرها آلاف السنين.

كتابة مسمارية تتحدث عن قصة جلجامش من القرن الــ 17 قبل الميلاد. Johannes Gutenberg-Universität Mainz

“مع اختراع الشرق الكتابة في نحو عام 3200 قبل الميلاد، تم خلق الأساس للآداب والعلوم. إذ إنَّ ملحمة جلجامش – وهي الملحمة الأولى في تاريخ الإنسانية – مكتوبة باللغة البابلية على رقم طينية صلبة، لا يزال سحرها يبهر الشعراء والمفكِّرين حتى يومنا هذا ويعتبر بالنسبة لهم مصدر إلهام”، مثلما تكتب ميلاني كريستينا مور.

ومع اختراع الشرق الكتابة في نحو عام 3200 قبل الميلاد، تم خلق الأساس للآداب والعلوم. إذ إنَّ ملحمة جلجامش – وهي الملحمة الأولى في تاريخ الإنسانية – مكتوبة باللغة البابلية على صلصال طيني صلب، لا يزال سحرها يبهر الشعراء والمفكِّرين حتى يومنا هذا ويعتبر بالنسبة لهم مصدر إلهام.

ليست الرومانسية المستنيرة – مثلما يدَّعي المرء كثيرًا – هي التي كانت تربط الكلاسيكية الألمانية في وقت لاحق الكُتَّاب الألمان مثل توماس مان ربطًا وثيقًا بالشرق. بل هو المفهوم الواسع النطاق والذي يفيد بأنَّ الأمر لا يتعلق هنا بشيء غريب، بل بالخاص المألوف.

الحفاظ على سحر الحياة اليومية

ظهرت الكثير من المعلومات الدقيقة في الأعوام المائة وخمسين الأخيرة حول ما كان يخفيه لآلاف السنين الشرقُ القديمُ في أراضيه الواقعة بين نهري دجلة والفرات – أي في رحمه الخصب. تتوفَّر لدينا من بلاد الرافدين القديمة ثروةٌ لا يمكن حصرها من المصادر المكتوبة، التي تمكِّننا من فهم بدايات وتطوُّر ثقافتنا.

يجب على المركزية الأوروبية أن تلغي نفسها من أساسها وأن يتم استبدالها بصورة تقريبية كاملة – صورة تخلق في طبيعتها السحر والمعرفة، وتحسن تقدير وحماية بدايات الإنسانية. ومن خلال العمل الجدير بالملاحظة، المبذول من قبل علماء الآثار والعلماء المختصين في الشرق القديم، بات من الممكن اليوم استعادة ما حدث في الشرق الأوسط قبل عشرة آلاف عام من ميلاد المسيح وحتى نشر الإسلام.

وإلى جانب أعمال التنقيب الميدانية هناك أيضًا عمل دؤوب تم إنجازه من قبل علماء في جميع أنحاء العالم، كانوا يهتمون بالكتابة المسمارية الرائعة وقد مكَّنوننا بذلك من النظر إلى عالم نستمد منه أسس حياتنا اليومية. الأمور البديهية مثل تقسيم اليوم الواحد إلى أربع وعشرن ساعة والدقيقة الواحدة إلى ستين ثانية وتحديد الدائرة في ثلاثمائة وستين درجة أو استخدام الأبجدية – أتت من بلاد الرافدين. ومع ذلك فإنَّ هذا مجرَّد جزء صغير من الإنجازات الممتدة من الشرق القديم وحتى وقتنا الحاضر.

التغلُّب على الحدود الثقافية

يعتبر التغلُّب على الحدود الثقافية أمرًا ضروريًا من أجل الحفاظ على الثقافة. ولكن على الأرجح أنَّ مما لا شكَّ فيه أنَّ الصعوبة في هذا العمل  تكمن في صعوبة المفهوم بحدِّ ذاته. فالتعريف الحديث لمفهوم الثقافة يختلف اختلافًا جوهريًا عن الفهم الثقافي في الشرق القديم.

في العصر الذي كانت فيه الثقافة لا تعتبر إضافة تشبه الإكسسوارات، بل كانت تجسِّد قيمة أساسية مستقلة؛ كانت الثقافة تشبه أداة أثَّرت في مجرى الأحداث، وفي منطقة كانت تعرِّف نفسها في شكلها الطبيعي من دون الحدود الجغرافية.

مدينة بابل القديمة في العراق. Foto: DW/Munaf Al-Saidy

حضارة شرقية رفيعة – مع نهاية العصر الجليدي الأوروبي بدأت في بلاد الرافدين، أي فيما يسمى بالهلال الخصيب، الزراعة وتربية المواشي، وتكوَّنت في وقت لاحق أولى المستوطنات، ثم دول المدن وفي آخر المطاف القوى الإقليمية. وعندما بدأ في أوروبا الفلاحون الأوائل بزراعة أراضيهم، كانت الحصون القديمة المبنية في حقبة ما قبل التاريخ في الشرق الأوسط تغفو تحت طبقات من الأرض عمرها آلاف السنين.

وفي هذه الأيَّام خاصة من المهم للغاية أن يصبح المرء على علم بأنَّ الخراب والدمار في الشرق الأوسط ليس خسارة فقط بالنسبة لأولئك الذين يصلون هذه الأيَّام إلى أوروبا، بل خسارة أيضًا بالنسبة لنا جميعًا. يجب علينا ألاَّ ننسى أنَّ الناس الذين يصبرون يائسين في مخيَّمات اللاجئين، قد حافظوا حتى الآن على شيء، يمثِّل أساس ثقافتنا (الغربية). وهنا لا يتعلق الأمر بتصنيف الخاص من خلال تحديد الحدود مع الغرباء، بل يتعلق بفهم أنَّه لا يوجد غريب بهذا المعنى.

الدمار من دون معنى

إنَّ عبثية تدمير الحياة البشرية وتدمير ما صنعه الإنسان لن تؤدِّي إلى إسكات الذاكرة الجماعية من خلال هذا العمل الوحشي – الذي لا يمكن تعريفه إلاَّ من خلال الضعف. فعلى الرغم من المخاطر العالية إلاَّ أنَّ منظمات حقوق الإنسان تسافر إلى مناطق الأزمات في سوريا والعراق، وتحاول تقديم المساعدة ميدانيًا من دون كلل أو ملل، وكذلك تلتقي فرق علماء الآثار في المناطق الخاضعة لسيطرة الإرهابيين، من أجل متابعة حفرياتها ودعم السكَّان المحليين في حماية تراثهم الثقافي.

ربما يبدو هذا للقارئ في بعض الأماكن مثل رغبة ساذجة للوحدة العالمية، غير أنَّه في جوهره مجرَّد استنتاج بسيط عن طريق المقارنة – وهو يمثِّل تحديدًا حماية ما يُعَرِّفنا (نحن في الغرب).

ميلاني كريستينا مور

ترجمة: رائد الباش

حقوق النشر: موقع قنطرة ar.qantara.de 2016

Check Also

‘Westophobia’ is Dangerous for Muslims

‘Westophobia’ is Dangerous for Muslims

By Waris Mazhari In recent years, what is called ‘Islamophobia’ has become a major issue globally, …

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *